الباحث الشيعي/ حيدر حب الله: النفاق الوحدوي، وأفضل رؤية للوحدة الإسلامية
لقد مرّت نظرية الوحدة الإسلامية بمراحل متعدّدة، وتوجد رؤى تتحدّث عن إسلام بلا مذاهب، وفي تقديري فإنّ هذه الرؤى غير واقعيّة؛ لأنّ انقسام المسلمين إلى تيارات ومذاهب أمرٌ واقع ناشئ عن اختلاف المسلمين في التعامل مع النصوص الدينيّة، والحديث عن اختزال كلّ هذه الخلافات واعتبار أنّها غير واقعية ولا وجود لها غير صحي.
نعم، الإسلام لم يتحدّث عن مذاهب، لكنّ طبيعة قراءة البشر للنصوص الدينية من الطبيعي أن تتولّد منها مذاهب، فقراءة النصّ بحالتها البشرية متعدّدة، وهذا التعدّد سيفرز ولادة مذاهب ورؤى مختلفة.
إنّنا نلاحظ أنّ اتجاه الوحدة الإسلامية اتجاهٌ محض بروتوكولي شكلي وظاهري، وقد لمسناه عند العديد ممّن اشتغلوا على موضوع الوحدة الإسلامية، ومع الأسف الشديد نجد أنّ هؤلاء يعتبرون أنّ الوحدة الإسلاميّة مجرّد شعار يمكن توظيفه في إطار الصالونات الدبلوماسيّة، أو يمكن توظيفه في إطار لقاءات شكليّة بين رجال الدين، تستطيع أن تكون لها انعكاسات إيجابيّة على الشارع المسلم، عبر رؤية العمائم المسلمة بمذاهبها المختلفة ملتقيةً مع بعضها.
إنّ المشكلة في التوظيف الشعاري لنظريّة الوحدة الإسلاميّة، فقد ولّدت حالةً من الازدواجّية في الثقافة الإسلاميّة، فصرنا نشهد أبناء هذا المذهب أو بعض رموزه في الجلسات الخاصّة لا يمتّون إلى الوحدة بصلة، وربما هم أعداء مشروع الوحدة، فيما هم في الجلسات العامّة وحدويّون تقريبيّون. إنّ هذه الازدواجيّة لا تنبع من ثقافة دينية؛ لأنّ الدين لا يؤمن بالمنطق الازدواجي بهذه الطريقة، خصوصاً وأنّه قد يدخل ضمن شكل من أشكال النفاق ـ والعياذ بالله ـ وربما لا يقصدون ان يكونوا كذلك، ولكنّ طبيعة القناعات غير الراسخة لموضوع الوحدة الإسلاميّة أدّت إلى أن تكون الوحدة بهذا الشكل عند بعضهم.
إنّ أفضل رؤية للوحدة هي تلك التي تعتقد بأنّ الوحدة أصلٌ من أصول الإسلام، ليس أصلاً عقائدياً لكنّه أصلٌ أوّلي من أصول العلاقات بين المسلمين، أصل أوّلي حقيقيّ، وينطلق من إطار النصوص القرآنيّة «إنّما المؤمنون إخوة»، وينطلق من قوله تعالى: «محمّد رسول الله والذين معه أشدّاء على الكفار رحماء بينهم»، فنجد أنّ المبدأ هو الرحمة بين المسلمين، إذا أخذنا كلمة المؤمن الواردة في القرآن على أنّها تعني كّل من آمن وأسلم، فحينئذ سيتكرّس عندنا أنّ الأصل في العلاقة بين المسلمين هو الأخوّة.
ولو راجعنا القرآن الكريم بأكمله فلن نجد حالةً يظهر فيها الاختلاف السلبي إلا فيما يسمّى بالبغي، فحينما يتمّ الاعتداء من جماعة على جماعة أخرى، فمن حقّ الأولى أن تدافع عن نفسها، أمّا فيما يتعلّق بسائر أشكال الاختلاف الفكري، فلا يحقّ لأيّ جماعة أن تعتدي على الأخرى، وهذه الرؤية التي طرحت في مشروع الوحدة الاسلامية لاسيما منذ بداية الثمانينات إلى الآن تحاول أن ترسّخ لمفهوم الوحدة على أنّه أصل أوّلي في علاقات المسلمين، وليس أصلاً ثانوياً، فلا نتوحّد لأنّ (إسرائيل) وأميركا موجودتان فقط، وإذا زال الخطر الإسرائيلي فعلينا أن نعود للاختلاف!!